محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هذه الآية إحدى وثمانين ليلة ، قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ حدثنا سفيان ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه عنترة ، قال : لما نزلت : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وذلك يوم الحج الأكبر ، بكى عمر ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك " ؟ قال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، فقال : " صدقت " حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أحمد بن بشير ، عن هارون بن أبي وكيع ، عن أبيه أبو وكيع ، فذكر نحو ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ حجكم ، فأفردتم بالبلد الحرام تحجونه أنتم أيها المؤمنون دون المشركين لا يخالطكم في حجكم مشرك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن أبي عتبة ، عن أبيه أبو عتبة ، عن الحكم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قال : أكمل لهم دينهم أن حجوا ولم يحج معهم مشرك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قال : أخلص الله لهم دينهم ، ونفى المشركين عن البيت . حدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قال : تمام الحج ، ونفي المشركين عن البيت . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية على نبيه دينهم ، بإفرادهم بالبلد الحرام ، وإجلائه عنه المشركين ، حتى حجه المسلمون دونهم ، لا يخالطونهم المشركون . فأما الفرائض والأحكام ، فإنه قد اختلف فيها ، هل كانت أكملت ذلك اليوم أم لا ؟ فروي عن ابن عباس والسدي ما ذكرنا عنهما قبل . وروى عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض ، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان قوله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ آخرها نزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض ، كان معلوما أن معنى قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ على خلاف الوجه الذي تأوله من تأوله ، أعني : كمال العبادات والأحكام والفرائض . فإن قال قائل : فما حمل قول من قال : قد نزل بعد ذلك فرض أولى من قول من قال : لم ينزل ؟ قيل لأن الذي قال لم ينزل ، مخبر أنه لا يعلم نزول فرض ، والنفي لا يكون شهادة ، والشهادة قول من قال : نزل ، وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقا . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني جل ثناؤه بذلك : وأتممت نعمتي أيها المؤمنون بإظهاركم على عدوي وعدوكم من المشركين ، ونفيي إياهم عن بلادكم ، وقطعي طمعهم من رجوعكم ، وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا ، فلما نزلت براءة ، فنفى المشركين عن البيت ، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين ، فكأن ذلك من تمام النعمة : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية ، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة يوم جمعة ، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ، وأخلص للمسلمين حجهم حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا داود ، عن الشعبي ، قال : . نزلت هذه الآية بعرفات ، حيث هدم منار الجاهلية ، واضمحل الشرك ، ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك . حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر في هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات ، وقد أطاف به الناس ، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم ، واضمحل الشرك ، ولم يطف حول البيت عريان ،